ابراهيم بن عمر البقاعي

659

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

من الأرضية ، فإذا بطلت صلاحيتها للإلهية بطلت الأرضية من باب الأولى ؛ نصب لهم الحجاج في أمرها ، فقال مسببا عن الإراءة المذكورة : فَلَمَّا جَنَّ أي ستر وأظلم ، وقصره - وإن كان متعديا - دلالة على شدة ظلام تلك الليلة ، ولذلك عداه بأداة الاستعلاء فقال : عَلَيْهِ اللَّيْلُ أي وقع الستر عليه ، فحجب ملكوت الأرض فشرع ينظر في ملكوت السماء رَأى كَوْكَباً أي قد بزغ ، فكأنه قيل : فما ذا فعل ؟ فقيل : قالَ هذا رَبِّي فكأنه من بصره أن أتى بهذا الكلام الصالح لأن يكون خبرا واستفهاما ، ليوهمهم أنه مخبر ، فيكون ذلك أنفى للغرض وأنجى من الشعب ، فيكون أشد استجلابا لهم إلى إنعام النظر وتنبيها على موضع الغلط وقبول الحجة ، ولمثل ذلك ختم الآية بقوله : فَلَمَّا أَفَلَ أي غاب بعد ذلك الظهور الذي كان آية سلطان قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * لأن الأفول حركة ، والحركة تدل على حدوث المتحرك وإمكانه ، ولا نظن أن يظن به أنه قال ما قاله أولا عن اعتقاد ربوبية الكواكب ، لأن اللّه تعالى قد دل على بطلان هذا التوهم بالإخبار بأنه أراه ملكوت الخافقين وجعله موقنا ، فأسند الأمر إلى نفسه تنبيها لهم ، واستدل بالأفول لأن دلالته لزوال سلطانه وحقارة شأنه أتم ، ولم يستدل بالطلوع لأنه - وإن كان حركة دالة على الحدوث والنقصان - شرف في الجملة وسلطان ، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان ، والممكن لا بد له من موجد واجب الوجود ، يكون منتهى الآمال ومحط الرحال وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [ النجم : 42 ] والأوساط يفهمون منه الحدوث للحركة ، فلا بد من الاستناد إلى قديم ، والعوام يفهمون أن الغارب كالمعزول لزوال نوره وسلطانه ، وأن ما كان كذلك لا يصلح للإلهية ، وخص الأفول أيضا لأن قومه الفرس كانوا منجمين ، ومذهبهم أن الكوكب إذا كان صاعدا من المشرق إلى وسط السماء كان قويا عظيم التأثير ، فإذا كان نازلا إلى المغرب كان ضعيف الأثر ، والإله هو من لا يتغير ، وهذا الاستدلال برهان في أن أصل الدين مبني على الحجة دون التقليد . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 77 إلى 82 ] فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 78 ) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 79 ) وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 80 ) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 81 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 82 )